دعوة لفض الاشتباك بين الحركات الإسلامية والحكومات
أحمد كمال أبوالمجد
ليست هذه السطور محاولة جديدة - تضاف إلى محاولات سابقة عديدة - لتحليل الظاهرة التي يسميها البعض ” الإسلام السياسي ” ويسميها البعض في الغرب ظاهرة ” الأصولية الإسلامية ” أو نسميها نحن في عالمنا العربي والإسلامي ظاهرة ” الغلو في الدين ” أو ظاهرة التطرف، ذلك أن الأمر- فيما نرى- قد تجاوز مرحلة الوصف والتحليل، وأوشك أن يدخل- في مستواه العملي- مرحلة الأزمة التي تستهلك الطاقة.
بدلا من وصف الظاهرة على النحو الذي شاركنا فيه من قبل مع أقلام كثيرة فإننا ندخل إلى الموضوع مباشرة لنحدد للقارئ المشكلة التي نتحدث عنها والاشتباك الذي ندعو إلى فضه.
في العالم الإسلامي من أدنى مشرقه إلى أقصى مغربه، وبدوله العربية وغير العربية موجة تدين متعاظمة، أكثر المشاركين فيها من الشباب، وإن كانت تضم جموعا كثيفة ممن تجاوزوا تلك المرحلة، لا يتوقف تدينهم عند حد الممارسة الشخصية لتعاليم الإسلام ومبادئه وشعائره، وإنما يتجاوزون ذلك إلى أمور ثلاثة يمارسون بعضها أو يمارسونها جميعا:
الأمر الأول: الخروج من إطار الممارسة الذاتية الفردية إلى ميدان الدعوة والعمل على الإصلاح العام عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو خروج ينقلهم من حالة الممارسة الشخصية إلى حالة العمل الاجتماعي العام، فإذا تجاوز خروجهم هذا مجرد النصح والتصويب والدعوة إلى محاولة التدخل المباشر في سلوك الآخرين، وإذا اتخذ أسلوب هذا التدخل مظهرا حادا لا رفق فيه، ووصل إلى حد محاولة الإكراه على السلوك الذي يؤمن به الدعاة، والتدخل المباشر لمنع السلوك الذي لا يرضون عنه، فقد وقع بالضرورة الاصطدام مع حرية الآخرين، وصارت الدولة مدعوة بأجهزتها المختلفة لفض هذا الاشتباك “الأهلي ” بين أصحاب الدعوة الدينية وسائر أفراد المجتمع.
الأمر الثاني: التصدي لنقد النظم السياسية والاجتماعية القائمة انطلاقا من تصور إسلامي لما ينبغي أن تكون عليه تلك النظم، وبهذا النقد تدخل روافد عديدة من روافد التيار الإسلامي دائرة ” المعارضة السياسية ” وإن كانت معارضة غير منظمة والحق أن هذا المسلك لا خطر فيه ولا ضرر منه، ما دام النقد يتم في إطار النظام القانوني القائم، ولا يتجاوز ” الاعتراض ” عن طريق البيان، إلى الدعوة الصريحة لهدم النظام، أو إلى إصدار أحكام إدانة دينية له تصل إلى حد تكفيره أو الحكم بجاهليته ودعوة الناس إلى الخروج عليه، إذ إن الأمر هنا يتجاوز ما تأذن به الدساتير والنظم القانونية من ممارسة حرية التعبير وحق النقد السياسي ليصل إلى تهديد الأمن العام بخطر حقيقي وحال، قد ترى الدولة ألا تسكت عليه حتى يتحول إلى خروج كامل على القانون. ومسلك الدولة هنا مسلك مفهوم ومألوف، إذ قد استقر الرأي في كثير من النظم القانونية على أن حرية التعبير تجد حدا من حدودها فيما يتهدد الأمن العام بسببها من خطر واضح وقائم Clear and present danger وهذا المعيار معيار عام يتحدد به نطاق حرية التعبير في مواجهة التيارات الفكرية والسياسية المختلفة سواء كانت منابعها الفكرية والاعتقاديه دينية أو غير دينية.
الأمر الثالث: تنظيم جماعات سياسية ذات برامج إصلاحية مستمدة من رؤية إسلامية، وتوجيه نشاط هذه الجماعات إلى محاولة الوصول إلى السلطة لممارسة التغيير الاجتماعي من مواقع تلك السلطة.
وهذا هو ما يطلق عليه البعض ” الإسلام السياسي ” ويرون فيه خطرا على الدولة والمجتمع، وانحرافا بالفهم الديني وتجاوزا لحدوده المسموح بها.
قضية الحكم وسياسة المجتمع
وفي تقديرنا أن هذه الرؤية، وهذا الإحساس بالخطر يعبران عن خلط كبير ويدخلان الأمور بعضها في بعض مما يعقد فهم المشكلة ويفوت فرص التعامل الصحيح معها.
ذلك أن الحملة على ” الإسلام السياسي ” في عمومه لا يمكن أن تكون مقبولة من منظور إسلامي، كما لا تجد لها مبررا منطقيا من الناحيتين القانونية والسياسية.
فالإسلام - بطبيعته - يوجه اهتمامه إلى قضية الحكم، وله في ” سياسة المجتمع ” مجموعة من المبادئ والقيم الأساسية، ومن ثم لا يتصور تقسيم الرؤية الإسلامية في الإصلاح إلى إسلام سياسي وغير سياسي، فالحكم العادل فريضة إسلامية نقرؤها جميعا في قوله تعالى: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل والشورى - هي الأخرى- فريضة إسلامية يقرؤها المسلمون في قوله تعالى: وأمرهم شورى بينهم وقوله سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وسلم): وشاورهم في الأمر .. ومسئولية الحكام مبدأ سياسي مقرر في قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ): والإمام الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته، والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) أقام مجتمعا سياسيا منظما له كل خصائص الدولة وأركانها فور هجرته إلى المجتمع الجديد في المدينة المنورة.
أما من الناحيتين القانونية والسياسية فإننا لا نجد أساسا مقبولا لحرمان تيار إصلاحي يخوض الحياة السياسية من أن يتخذ له برنامجا للإصلاح ينبع من رؤية إسلامية ويسعى لتنظيم أمور المجتمع على أسس ومبادئ مستمدة من نصوص الإسلام الثابتة.
ويخوض ببرنامجه هذا غمار الحياة السياسية كما تخوضها سائر الأحزاب السياسية ومن مصلحة الأمة كلها في تناول هذه القضية أن تسمى الأشياء بأسمائها حتى يعرف الناس حقيقة الخلاف الدائر وسبب ” الاشتباك ” الذي نتحدث هنا عن ضرورة فضه.
إن الذين يهاجمون تيار ” الإسلام السياسي ” ويحذرون من أخطاره إنما يحذرون- في الحقيقة- من ظواهر محددة يخشون أن يتورط فيها الداعون للإصلاح السياسي على أسس إسلامية، وهي خشية يشاركهم فيها- فيما نرى- أكثر المتدينين في مصر والعالم العربي وفي مقدمة هذه المحاذير أمور ثلاثة:
القيم والمبادئ الإسلامية
أولا: أن يتبنى الداعون إلى نظام حكم إسلامي صورة واحدة من الصور التاريخية للممارسة السياسية، ويضفون عليها وحدها وصف ” النظام الإسلامي ” وبذلك يلزمون أنفسهم ومجتمعاتهم ما لا يلزم، ويقيدون حركة المجتمع ويقفون في وجه سنة التطور، معتقدين أنهم بذلك ” يحكمون بما أنزل الله ” ويقيمون حكمه في الناس، ويظهر هذا الخطر ظهورا مؤكدا حين ينادي أصحاب هذه الرؤية بإحياء ” الخلافة الإسلامية ” متصورين أنها نظام ثابت محدد المعالم واضح التفاصيل، وأن المشكلة السياسية تتلخص في إقناع الجماهير، أو إرغامها، على إقامة تلك الخلافة.
والحقيقة العلمية الثابتة والموثقة تاريخيا أن الخلافة ليست نظاما واحدا محددا، وإنما هي لقب أو وصف أطلق على رئاسة الدولة كما أطلق على النظام السياسي للدولة التي تجمع المسلمين جميعا أو غالبيتهم الكبرى تحت سلطانها، حين كان ذلك التجمع - بسبب الاتصال الجغرافي، أو صغر إقليم الدولة، أو قلة مجموع عدد المسلمين- أمرا مختلفا. والثابت كذلك علميا وتاريخيا أن أسلوب الحكم قد اختلف اختلافات واسعة من عهد إلى عهد ومن رئاسة إلى رئاسة مع أنها جميعا تحمل لقب الخلافة الإسلامية.
والحق الذي لا يماري فيه عالم ثقة أو مؤرخ محقق أن ” إسلامية ” أي نظام للحكم لا يمكن أن تستمد من اسمه، خلافة كان أو غيرها، وإنما للإسلام في شأن الحكم وسياسة الرعية مجموعة من الأسس الكبرى أو القيم والمبادئ، على رأسها كما قدمنا مبادئ الشورى، والعدل، ومسئولية الحكام، واحترام حقوق الإنسان وحرياته، واستمداد التشريع الذي يحكم المجتمع من أصول الإسلام ومصادره الكبرى. وبقدر اقتراب النظام الذي يحكم به المسلمون أنفسهم من هذه المبادئ بقدر ما يتحقق له من وصف ” الإسلامية “.
كوارث يبرأ منها الإسلام
ثانيا: أن تنتقل فكرة ” التوحيد ” والوحدانية في فكر بعض دعاة الإسلام السياسي من نطاق العقيدة إلى ميدان الحياة السياسية، و

























